في السنوات الأخيرة، أصبح من الواضح أن مركز القوة في العالم لم يعد موجوداً داخل الوزارات، ولا في قصور الحكم، ولا حتى في مقارّ أجهزة الاستخبارات التقليدية. فالقوة انتقلت بهدوء إلى مكان آخر تماماً: الشركات التكنولوجية الغربية التي باتت تمتلك وحدها البنية التحتية الرقمية التي يستند إليها العالم كله. هذه الشركات لم تعد مزوّد خدمات، بل أصبحت “سلطة عليا” تحكم الدول من فوق رؤوس حكوماتها، لأنها ببساطة تملك المعلومات التي لا تملكها الدول نفسها.
فالدولة، أياً كانت قوتها، تعرف ما تسمح به أجهزتها الإدارية، أما الشركات الكبرى فتعرف كل شيء: حركة المال، أنماط السلوك، خرائط الاهتمامات، المزاج العام، العلاقات الاجتماعية، الاتصالات، والصور والمواقع الجغرافية. الخوادم التي تخزن عليها هذه الشركات بيانات الشعوب أصبحت بمثابة “أرشيف عالمي” لا تمتلك الحكومات الوصول إليه إلا بقدر ما تسمح به الشركات ذاتها. والأخطر من ذلك أن الشركات لا تحتاج لتجسس مباشر، بل تعتمد على بيانات يقدمها الأفراد والحكومات طواعية مقابل استخدام منصّاتها.
ولم تعد الشركات تملك المعلومات فقط، بل صارت تتحكم بالمحتوى الذي يراه الناس. فهي التي تحدد ما يظهر على الشاشات، وما يُدفن في الأعماق، وما يُسمح له بالانتشار، وما يُحجب. إن المزاج السياسي والاجتماعي لم يعد يُصنع في غرف الأخبار، بل في الخوارزميات التي تصممها هذه الشركات وتديرها بالطريقة التي تخدم مصالحها الاقتصادية أو رؤيتها الإستراتيجية للعالم. لذلك أصبحت الدولة الحديثة أمام خصم غير معلن يسبقها إلى وعي مواطنيها قبل أن تنشر بياناً واحداً.
وتكتمل الصورة عندما ندرك أن الإنترنت نفسه—الشبكة التي تعتمد عليها الحكومات في العمل والاجتماعات والاتصال والتجارة—ليست ملكاً للدول بل للشركات التي تدير بوابات المرور، وخوادم المواقع، والشبكات السحابية، ومراكز البيانات. وحتى الفضاء، الذي كان رمز السيادة العليا، أصبح اليوم مملوكاً في جزء كبير منه لشركات الأقمار الصناعية الخاصة التي تمدّ الدول بالبثّ والملاحة والاتصال العسكري والمدني. وحين تكون الدولة معتمدة على أقمار شركة خاصة في اتصالاتها، فإن جزءاً من سيادتها يصبح مرهوناً بقرارات مجلس إدارة لا بقرار وطني.
هذه المعادلة تجعل الحكومات مضطرة للتعامل مع الشركات على أنها “شريك إجباري”، لا تستطيع تجاوزه ولا مقاومته. فكل دولة تريد البقاء جزءاً من الاقتصاد العالمي تحتاج لخوادم، شبكات دفع، أنظمة تخزين، أقمار ملاحة، ومنصّات إعلامية. وبمجرد دخولها هذا النظام، تصبح مضطرة لتسليم معلوماتها التقنية والاقتصادية والأمنية—بشكل مباشر أو غير مباشر—إلى الشركات التي توفر لها هذه الخدمات. إنها علاقة تبعية حديثة، مختلفة عن التبعية الاستعمارية القديمة، لكنها لا تقل تأثيراً عنها.
ولا يتوقف النفوذ عند السيطرة الرقمية؛ فحتى الصناعات العسكرية، التي كانت آخر ما تحتفظ به الدول من مظاهر السيادة، أصبحت اليوم جزءاً من هذا النظام العالمي الذي تهيمن عليه الشركات الكبرى. فالصناعات الدفاعية الحديثة—من الطائرات المتطورة إلى الأنظمة الصاروخية والنووية وغير التقليدية—تعتمد على تقنيات رقمية، وأشباه موصلات، وحساسات، وبرمجيات، وسلاسل توريد معقدة، وكلها تمر عبر بوابات تخضع لرقابة الشركات والدول العظمى. لذلك لا يمكن لأي دولة أن تبني صناعة عسكرية متقدمة بشكل مستقل، لأن المواد الخام المتقدمة، والمعالجات الدقيقة، والتقنيات الحساسة، تتحرك كلها داخل منظومة خاضعة بالكامل لمن يمتلك التكنولوجيا العالمية. وما يُسمح للدول به اليوم لا يتجاوز الصناعات التقليدية البسيطة التي لا تهدد ميزان القوة الدولي. أما القوة الجوية المتقدمة، والقدرات الصاروخية عالية الدقة، والأنظمة غير التقليدية، فكلها محتكرة في يد الدول الكبرى التي لا تسمح بانتشارها إلا بقدر ما يخدم مصالحها. وأي دولة تحاول الخروج عن هذه المنظومة أو بناء قدرات مستقلة تواجه أولاً العزل الاقتصادي، ثم الحصار التقني، وقد ينتهي الأمر بتهديدات أمنية وصدامات سياسية أو عسكرية. وفي حالات كثيرة، تُستخدم منصّات التواصل الاجتماعي نفسها لإثارة اضطرابات داخلية تُربك الدولة وتعيدها قسراً إلى المسار الذي رسمته القوى المسيطرة على التكنولوجيا العالمية.
أما الدول التي تحاول عزل نفسها عن هذه المنظومة، أو بناء بديل مستقل عنها، فهي تواجه ضغوطاً هائلة تبدأ بالعقوبات الاقتصادية، مروراً بالعزل التقني، وصولاً إلى أشكال من التصعيد السياسي أو الأمني. فالعالم لم يعد يسمح بوجود “فراغ تقني”. ومن يخرج من النظام العالمي الرقمي والاقتصادي يصبح هدفاً للضغط حتى يعود إليه، لأن البقاء خارج الشبكة يعني تهديداً لهيكل القوة الذي بنته الشركات وتحميه الدول الكبرى. وقد رأينا خلال العقدين الماضيين أن محاولة الانفصال عن النظام التقني العالمي ليست مجرد خيار اقتصادي، بل قرار قد يستدعي مواجهة سياسية أو عسكرية، لأن العالم بكل بساطة لم يعد قائماً على الحدود القومية بل على البنية الرقمية التي تديرها الشركات.
بهذه الصورة، يظهر لنا أن “الحكومة العالمية” لم تُعلن نفسها، ولم تُنشئ برلماناً، ولم تطلب شرعية أحد. إنها حكومة تشكلت تلقائياً من تلاقي التكنولوجيا مع رأس المال ومع احتكار المعرفة. حكومة تتحكم بما يراه الناس، وبكيفية اتصال الدول، وبالمعلومات التي تُخزَّن عن كل مجتمع، وبما تستطيع الجيوش تطويره أو منعه. ومع استمرار توسع هذه الشركات، تصبح الحكومات نفسها جزءاً من النظام الذي يفوقها قوة، وكأن العالم يُعاد تشكيله من جديد، لا وفق جغرافيا الأرض، بل وفق جغرافيا البيانات.
#رسلي_المالكي
___________________________________________

