Print this page

هل تريد الاستقرار السياسي؟ - لا تشجع تشكيل الأحزاب، بل تقليلها!

قيم هذه المقالة
(0 تقييمات)
Print Friendly, PDF & Email
أشهر ثنائية قطب حزبية في العالم، الديمقراط والمحافظون في الولايات المتحدة. أشهر ثنائية قطب حزبية في العالم، الديمقراط والمحافظون في الولايات المتحدة.

في عام 1955م أدلى رئيس الوزراء السابق (نوري السعيد) بتصريح أمام لجنة الشؤون الداخلية في مجلس النواب العراقي قال فيه:

لا يمكن لأُمة أو لحكم ديمقراطي الاستمرار دون الاستعانة بالأحزاب بوصفها جزء من كيان الحكم. وبلادنا لا يتسع المجال فيها لأحزاب سياسية كثيرة، بل يكفيها حزبان، أحدهما في الحكم والآخر في المعارضة.

يعقب (والدمار غلمن) الذي كان آخر سفير أمريكي في العراق قبيل الإطاحة بالنظام الملكي، والذي ورد تصريح نوري السعيد أعلاه في مذكراته، فيقول عن التصريح ذاته:

كان ذلك التصريح أول بادرة بدرت من نوري عن تفكيره بأسلوب الحزبين، والذي من شأنه أن يمنع تجدد نشاط الجماعات المنشقة، مما أضعف الحياة السياسية في البلاد.

ربما لم يشأ غلمن القول بأن "تجدد نشاط الجماعات المنشقة" سيفاقم المأساة السياسية في البلاد - أو لم يعلم ذلك - بدلًا من "إضعاف الحياة السياسية في البلاد". ولا يُقصَد بالجماعات المنشقة هنا جماعات المعارضة عمومًا، بل المقصود هو الأذرع الحزبية التي تنشق عن أحزابها الأم لتنشء أحزابًا جديدة، وهكذا يتفاقم التورم الحزبي في غدة البلاد السياسية وتكثر الانقسامات -سواء بين الأحزاب أو الجماهير- ويستحيل الفضاء السياسي إلى جحيم يحرق البلاد والعباد.

 

ربما تكون أسطورة ترياق "التعددية الحزبية" بوصفها علاج ناجع لدرء الدكتاتورية قد نشأت بسبب حياة القطب الواحد الطويلة التي عاشها المجتمع العراقي في السابق، ولكن يكفي النظر اليوم إلى أداني البلاد وأقاصيها لتفنيد هذه الأسطورة التي خرّبَت الحياة السياسية لأجيال كاملة ولم تكتفي بإضعافها كما قال غلمن آنفًا. لقد أراد نوري السعيد تأسيس نظام الحزبين لأنه رأى في هذه الأسطورة ما تحقق اليوم، ولمّا كانت البلاد تخضع لحكم ملكي فقد كان من السهل تطبيق هذا النظام وتأسيس الحياة السياسية على أساسه، وبهذا يسلك المسار السياسي مسار القطبين - قطب حاكم وقطب معارض - وتنضوي كافة التوجهات السياسية تحت لواء هذين القطبين، مما يجنب البلاد آفة الانقسامات والانشقاقات والتناحرات التي كلما ثارت ثائرة واحدة منها انبثق معها حزب سياسي يزيد بانقسام الجماهير، ويعمق الشتات السياسي، ويرسخ مبدأ "التعددية الحزبية" ويصادق على أسطورتها الهدّامة.

إن الحديث عن نظام الحزبين ليس حديثًا تنظيريًا ناشئًا اليوم، فهو نظام تتبعه اليوم معظم دول العالم المتقدمة، والمستقرة سياسيًا، فإن هذا النظام إن لم يضمن صحة الجو السياسي فهو يضمن استقرار سير العملية السياسية في البلاد التي يسري فيها، ويضمن رسوخ المؤسسات ورصانتها، ويضمن التباري والتخاصم حتّى ولو بأدنى مبادئ الخصام السياسي الدائر حول ثنائية (السلطة والإنجاز) وليس ثنائية (السلطة والإجهاز) - أقول الإجهاز على مؤسسات الدولة باتخاذها ينابيع سرقة واختلاس بدل الإنجاز فيها وعليها بنظام التجربة المتراكمة.

 

وإذ نحن نتحدث عن الاستقرار السياسي في ظل نظام ملكي، فليس أقرب لنا اليوم من جيران العراق في الخليج العربي، فبالرغم من مئات المآخذ والملاحظات على أنظمة الخليج وتجربتها الفتية في الحكم، إلا أن استقرارها السياسي من شأنه أن يكفل لها -عاجلًا أم آجلًا- تصحيح أخطائها وتعديل مساراتها المتعرجة. وإذا ما نظرنا إلى دول الخليج اليوم سنجدها إما تحظر تشكيل الأحزاب السياسية -في حالة المملكة العربية السعودية مثلًا- أو أنها لا تلزم دستوريًا بتشكيل الأحزاب -أو حظرها- وذلك في حالة الكويت مثلًا. ولكن السؤال الجوهري هنا: هل من الضروري تشكيل أحزاب في ظل نظام ملكي مطلق؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، ينبغي أولًا معرفة مدى فاعلية الأحزاب السياسية في ظل النظام الملكي المراد تناوله، من ثم معرفة نسبة صياغة هذه الأحزاب لمسار البلد السياسي أو توجهاته القومية داخليًا وخارجيًا، وبعد الإجابة على هذين السؤالين يمكننا مناقشة السؤال الأول بسلام. فإذا كان الملك هو سلطة البلد العُليا، وهو رأس القرار الأول، ماذا سيكون دور الأحزاب؟ إذا كانت ستعمل -في أسوأ الأحوال- كقنوات معارضة، فهل تعجز الشعوب عن رفض ملوكها أو معارضتهم دون وجود أحزاب؟ في الواقع، يمكننا استعراض عشرات، بل مئات الأمثلة التاريخية عن شعوب أطاحت بملوكها دون معرفة بأدنى أدوات التنظيم الحزبي.

لن يتحقق الإصلاح السياسي أبدًا بكثرة الأحزاب، واعلم أن مع ولادة كل حزب جديد ستولد معه مشاكل وانقسامات سياسية مهما بلغ من طيب النوايا واستقامة الأفكار. فأيما حزب يولَد ستكون عينه على السلطة، وبهذا فهو يشكل تهديدًا للأحزاب الأخرى التي لن تقف مكتوفة الأيدي، من ثم وقود طريقه إلى السلطة هو الجماهير، وبهذا فهو يعزز الانقسام الجماهيري ويفاقم التخندق الحزبي، وإن وصل إلى السلطة سينبغي عليه تقاسمها مع الأحزاب الأُخرى وإلا فأهلًا بالجحيم، فإن تقاسمها مع الآخرين ضاعت مبادئه وخان جماهيره وغرق في وحل التعددية الحزبية التي زعم أنه ولِد من أجل الخلاص منها. فأنت ترى والحالة هذه أنها دورة تُعاد من جديد كلما خرج لنا حزب يدّعي الصلاح وينشد الإصلاح.

على العكس من ذلك، فإن نظام الحزبين يضمن خصومة نظيفة وتباري محموم من أجل العمل الجاد على تقوية مؤسسات الدولة واتخاذ السُبُل اللازمة لتطوير وتحديث الآليات السياسية والاتفاق على سياسة قومية واحدة تتبع توجهات الحزب الحاكم والاستفادة من التجربة المتراكمة. كما أن نظام الحزبين سيقلل الانقسام الجماهيري ويجعل الجمهور ينقسم إلى كتلتين فقط، كتلة مع الحاكم وكتلة مع المعارض، وهذا إن كان على مستوى التصويت الانتخابي أو التنظيم الحزبي أو السلوك الجماهيري بشكلٍ عام.

 

 
القراءات 384 مرة